ابن خلكان
151
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
البصري وقد ذكر يحيى بن أكثم فعظم أمره وقال كان له يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله وذكر هذا اليوم وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب فتركها الناس لطولها وله كتب في الأصول وله كتاب أورده على العراقيين سماه كتاب التنبيه وبينه وبين داود بن علي مناظرات كثيرة ولقيه رجل وهو يومئذ على القضاء فقال أصلح الله القاضي كم آكل قال فوق الجوع ودون الشبع فقال فكم أضحك قال حتى يسفر وجهك ولا يعلو صوتك قال فكم أبكي قال لا تمل من البكاء من خشية الله تعالى قال فكم أخفي عملي قال ما استطعت قال فكم أظهر منه قال مقدار ما يقتدي بك البر الخير ويؤمن عليك قول الناس قال الرجل سبحان الله قول قاطن وعمل ظاعن وكان يحيى من أدهى الناس وأخبرهم بالأمور رأيت في بعض المجاميع أن أحمد بن أبي خالد الأحول وزير المأمون وقف بين يدي المأمون وخرج يحيى بن أكثم من بعض المستراحات فوقف فقال له المأمون اصعد فصعد وجلس على طرف السرير معه فقال أحمد يا أمير المؤمنين إن القاضي يحيى صديقي وممن أثق به في جميع أموري وقد تغير عما عهدته منه فقال المأمون يا يحيى إن فساد أمر الملوك بفساد خاصتهم وما يعدلكما عندي أحد فما هذه الوحشة بينكما فقال له يحيى يا أمير المؤمنين والله أنه ليعلم أني له على أكثر مما وصف ولكنه لما رأى منزلتي منك هذه المنزلة خشي أن أتغير له يوما فأقدح فيه عندك فأحب أن يقول لك هذا ليأمن مني وإنه والله لو بلغ نهاية مساءتي ما ذكرته بسوء عندك أبدا فقال المأمون أكذلك هو يا أحمد قال نعم يا أمير المؤمنين قال أستعين بالله عليكما فما رأيت أتم دهاء ولا أعظم فطنة منكما